الشيخ محمد رشيد رضا

403

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( بحث في عدم الحكم بما أنزل اللّه وكونه كفرا وظلما وفسقا ) الكفر والظلم والفسق كلمات تتوارد في القرآن على حقيقة واحدة ، وترد بمعاني مختلفة ، كما بيناه في تفسير ( وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) من سورة البقرة . وقد اصطلح علماء الأصول والفروع على التعبير بلفظ الكفر عن الخروج من الملة وما ينافي دين اللّه الحق ، دون لفظي الظلم والفسق . ولا يسع أحدا منهم إنكار إطلاق القرآن لفظ الكفر على ما ليس كفرا في عرفهم ، ولكنهم يقولون « كفر دون كفر » ولا إطلاقه لفظي الظلم والفسق على ما هو كفر في عرفهم ، وما كل ظلم أو فسق يعد كفرا عندهم . بل لا يطلقون لفظ الكفر على شيء مما يسمونه ظلما أو فسقا . لأجل هذا كان الحكم القاطع بالكفر على من لم يحكم بما انزل اللّه محلا للبحث والتأويل عند من يوفق بين عرفه ونصوص القرآن . وإذا رجعنا إلى المأثور في تفسير الآيات نراهم نتلوا عن ابن عباس ( رض ) أقوالا منها قوله : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق . ومنها أن الآيات الثلاث في اليهود خاصة ليس في أهل الاسلام منها شيء . وروي عن الشعبي ان الأولى والثانية في اليهود والثالثة في النصارى . وهذا هو الظاهر ، ولكنه لا ينفي ان ينال هذا الوعيد كل من كان منا مثلهم ، واعرض عن كتابه إعراضهم عن كتبهم ، والقرآن عبرة يعبر به العقل من فهم الشيء إلى مثله . وقد ذكرت هذه الآيات عند حذيفة بن اليمان فقال رجل : ان هذا في بني إسرائيل قال حذيفة : نعم الاخوة لكم بنو إسرائيل ان كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة . كلا واللّه لتسلكنّ طريقهم قدر الشراك ( أي سير الفعل ) عزاه في الدر المنثور إلى عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه . ( قال ) واخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : نعم القوم أنتم ان كان ما كان من حلو فهو لكم وما كان من مر فهو لأهل الكتاب . كأنه يرى أن ذلك في المسلمين . واخرج عبد بن حميد عن حكيم بن جبير انه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ . . . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ . . . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ . . . قال فقلت : زعم قوم انها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا .